التعليقات وردود الأفعال

قوة الصين الناعمة: مجالات التطوير

موعد الأصدار:2012-09-26 | اجعل حجم الخط أكبر | اجعل حجم الخط أصغر

الكاتب:هو جيانغ يون | مصدر:

ملخص:

تزايد الاهتمام العالمي بالصين منذ أن تبنت سياسة الإصلاح والانفتاح في أواخر سبعينات القرن الماضي. وبعد أن صارت ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وجزءا من الاقتصاد العالمي بانضمامها لمنظمة التجارة العالمية في سنة 2001، ارتفعت مكانتها الدولية وأصبح صوتها مسموعا أكثر، ويزداد تأثيرها يوما بعد يوم في المجتمع الدولي. ولكن ماذا عن قوتها الناعمة؟

في عام 1990، طرح البروفيسور جوزيف صمويل ناي، الأستاذ بجامعة هارفارد الأمريكية مفهوم "القوة الناعمة" لأول مرة في مقال له في مجلة "السياسة الأجنبية" الأمريكية، ثم طرح لاحقا مفهوم "القوة الذكية". وقد ساد هذان المفهومان في الأدبيات السياسية والاقتصادية العالمية.

الصين، الدولة العريقة ذات التاريخ والتقاليد الثرية، والتي تحقق منذ سنوات تقدما في قوتها الناعمة، جذبت اهتماما عالميا بالغا، وظلت تسعى لتعميق تبادلاتها مع العالم في كافة المجالات، لا سيما الثقافية. بقوتها الناعمة ومزايا ثقافتها التقليدية وتاريخها العريق، جذبت الصين مزيدا من السائحين، فقد ارتفع عدد السائحين القادمين إليها من 74ر6 ملايين سائح/ مرة في سنة 1996 إلى 13ر26 مليون سائح/ مرة في سنة 2010. وفي نفس الفترة، ارتفع عدد السائحين الصينيين الذين سافروا إلى خارج البلاد حاملين معهم ثقافاتهم وتقاليدهم من59ر7 ملايين سائح/ مرة إلى 39ر57 مليون سائح/ مرة.

مع تدفق السائحين من الخارج إلى الصين، ومن الصين إلى خارجها، كان من الطبيعي أن تتعمق التبادلات الثقافية والعلمية والدينية. كما أن النشاطات العالمية التي استضافتها الصين، ومنها أولمبياد بكين 2008، وإكسبو شانغهاي العالمي في 2010، كانت دليلا على تزايد قوة الصين الناعمة، وجذبت اهتمام العالم بالتغيرات الحديثة والسريعة التي تشهدها الصين.

في المنظمات الدولية، يتزايد تأثير الصين تدريجيا. وعندما بدأت الأزمة المالية العالمية، لعبت الصين دورا متميزا في العديد من المنظمات الدولية مثل صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية والأمم المتحدة وغيرها، ودعت إلى تحرير التجارة وتسهيل التجارة والاستثمار. كذلك تزايد استخدام العملة الصينية "الرنمينبي" في تسوية أعمال التجارة الثنائية، حتى أن بعض الدول والأقاليم المجاورة تقوم حاليا بتسوية حسابات التجارة الخارجية بالعملة الصينية.

لقد أظهرت الصين، خلال الفترة الماضية، قوة تماسك وتضامن لا مثيل لها في مواجهة آثار الكوارث الطبيعة، وبعض الأعمال التخريبية الانفصالية. بعد وقوع زلزال ونتشوان المدمر في مايو عام 2008، ظهرت كثير من القصص المؤثرة. ساعد الصينيون بعضهم بعضا في كل مكان وفي جميع مناحي الحياة. ساهم الجميع في أعمال الإغاثة ونقل المساعدات من كل أرجاء البلاد إلى المناطق المنكوبة، حتى تم تجاوز تلك الفترة العصيبة. وفي مواجهة الأعمال التي تنظمها بعض المنظمات الإرهابية، تمسك الشعب الصيني بمختلف قومياته وأعراقه، بالوحدة ورفض الأعمال الانفصالية بحزم.

في الوقت نفسه، أظهرت جميع القوميات وحدتها في مواجهة الإرهاب وتمسكها بوحدة البلاد، خصوصا أثناء عمليات العنف والسلب التي وقعت في الخامس من يوليو عام 2009، في منطقة شينجيانغ الويغورية الذاتية الحكم.

بفضل استقرار سعر صرف عملتها، وتطور مستوى معيشة مواطنيها، ونمو قوتها الاقتصادية باستمرار، وزيادة قدرتها على التعامل مع الأزمات، تعرض الصين يوما بعد يوم، قوتها الناعمة المتنامية وتنال المزيد من احترام العالم.

ما زال هناك مجال كبير لتحسين قوة الصين الناعمة. إن القوة الناعمة تحتاج إلى أساس متين وموثوق به في مجالات عدة، كالتصدير والاستثمار في الخارج والصورة العالمية للصين وأدائها في المفاوضات الدولية. هناك حاجة لتحقيق نتائج ملموسة وغير ملموسة في تلك المجالات، حتى يراها العالم كله. لقد أبطأت الصين في جهود خلق صورة أكثر إيجابية لها في العالم، برغم مشاركتها في أعمال تنمية كبيرة خارج حدودها منذ عقود.

ظلت الصين، لفترة، تركز الاستثمار في الدول والمناطق الأقل نموا، خاصة في مجالات البنية التحتية. وقد ساهم الاستثمار الصيني في تحسين الحياة اليومية للسكان في تلك الدول والمناطق، وساعد على تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية أكثر استدامة. ومع ذلك، فإن علاقات المنفعة المتبادلة بين الحكومة الصينية والمنظمات والشركات المستثمرة والسكان المحليين قد يُساء فهمها، بل وتواجَه بانتقادات أحيانا.

هناك مجال كبير للصين لتحسن قدراتها التفاوضية الدولية، حيث انكشف ضعف قدرة مسؤولين حكوميين ورجال أعمال صينيين، في محادثات تتعلق بالتجارة والاستثمار والتفاوض الدولية، والتعاون الإقليمي، والنتيجة أن الموقف الذي في صالحهم كان يتحول إلى موقف سلبي لهم فيضطرون إلى دفع ثمن كبير لذلك. وفي السنوات الأخيرة قامت بعض الدول بالنقاش والمفاوضات مع الأجهزة الحكومية الصينية بحجة تسوية مشاكل تجارية اقتصادية ثنائية، فحولت بذلك النشاطات التجارية إلى أعمال حكومية، مما أظهر ضعف قدرة الصين في المفاوضات التجارية أيضا.

ينبغي أن تسعى الصين لتعزيز قوتها الناعمة، استنادا لاقتصادها الضخم وعدد سكانها الهائل. الأكفاء والمواهب هما أساس القوة الناعمة، ومن الضروري الحد من التدخل الإداري في الموارد الفردية من أجل تحقيق الاستفادة القصوى منها. يجب إطلاق العنان للمبادرات الفردية ليستفيد المجتمع من كل فرد ومن الموارد على أحسن وجه ممكن.

جودة المنتجات نقطة اهتمام. على الحكومة الصينية أن ترفع يقظتها أكثر فأكثر تجاه جودة المنتجات ومراقبتها لتغيير صورة البضائع في الخارج والموصوفة بأنها "رخيصة السعر، رديئة النوعية"، خاصة بعد الحوادث والفضائح المتتالية المتعلقة بسلامة الغذاء والدواء في داخل البلاد، ومنها حادثة "الكبسولات السامة" وحادثة "الجيلاتين السام". يتعين على الحكومة أن تضمن لشعبها حياة صحية وسعيدة وكريمة.

تسهم الشركات العابرة للحدود بشكل فاعل في نمو القوة الناعمة، لذا يجب على الصين أن تشجع على إنشاء تلك الشركات وتطويرها وإشراك شخصيات ودوائر الأعمال الصينية في السوق الدولية. وقد حققت شركات عابرة للحدود، مثل شركة هواوي للتكنولوجيا (HUAWEI)، وشركة تشونغشينغ (ZTE)، نجاحاً في الخارج، حيث أظهرتا التقنيات والتصميمات الصينية الجيدة. وساهمتا في تغيير الصورة السلبية لـ(صنع في الصين)، ومن ثم أسهمتا في تعزيز قوة الصين الناعمة.

(هو جيانغ يون: باحث في مركز بحوث التنمية التابع لمجلس الدولة)

المقالات المعنية