التعليقات وردود الأفعال

التعاون الصيني الأفريقي إلى مرحلة جديدة

موعد الأصدار:2012-09-26 | اجعل حجم الخط أكبر | اجعل حجم الخط أصغر

الكاتب:محمد إسماعيل | مصدر:

ملخص:

عقدت في بكين يومي التاسع عشر والعشرين من شهر يوليو 2012 الدورة الخامسة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني- الأفريقي التي افتتحها الرئيس الصيني هو جين تاو، بحضور وزير خارجية الصين ووزراء الخارجية والتعاون الدولي لخمسين دولة أفريقية، ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي. وقد استعرض هذا الاجتماع تنفيذ إجراءات المتابعة للاجتماع الوزاري الرابع للمنتدى عام 2009، وتم خلاله اعتماد إعلان بكين وخطة عمل بكين للدورة الخامسة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني الأفريقي من عام 2013 إلى عام 2015، الذي وضع خطة شاملة للتعاون الصيني الأفريقي خلال الأعوام الثلاثة المقبلة.

على الرغم من التقدم الملموس والطفرة الواسعة التي شهدتها العلاقات الصينية- الأفريقية منذ إنشاء منتدى التعاون الصيني- الأفريقي وانعقاد اجتماعه الوزاري الأول في بكين عام 2000، يدرك الجانبان، الصيني والأفريقي، أن هناك الكثير من التحديات التي يتعين عليهما مواجهتها معا لتعزيز العلاقات بين الجانبين في المستقبل، والارتقاء بها لمستوى المشاركة الاستراتيجية المتعددة الأوجه، لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للشعب الصيني وشعوب القارة السمراء، وتحقيق الأهداف التنموية للألفية.
وقد عكس كل من الاجتماع الوزاري الخامس لمنتدى التعاون الصيني- الأفريقي والاجتماع التاسع لكبار المسؤولين في الثامن عشر من يوليو 2012 مزيدا من تعزيز العلاقات بين الصين وأفريقيا في المستقبل، والتأكيد على أهمية تنمية مستوى شراكة الجانبين، وذلك من خلال إصدار مجموعة هامة من الوثائق المتعلقة بتعزيز التعاون في مجالات الشؤون السياسية والسلم والأمن الإقليمي، والتعاون والتنسيق في المحافل الدولية والتعاون الاقتصادي والتنمية المستدامة والتعاون الثقافي، وهو بعد هام في العلاقات الصينية- الأفريقية، فضلا عن تبادل الزيارات على المستوى الشعبي.
وقد أوضحت السفيرة منى عمر، مساعدة وزير الخارجية المصرية للشئون الأفريقية، والتي رأست وفد مصر في الاجتماع التاسع لكبار المسؤولين، أن الاجتماع ناقش موضوعين رئيسيين، هما متابعة تنفيذ إعلان وخطة عمل الاجتماع الوزاري الرابع للمنتدى الذي عقد في شرم الشيخ بمصر في سنة 2009، كما ناقش إعلان وخطة عمل بكين للفترة من سنة 2013 إلى سنة 2015.

تنسيق مصري صيني مشترك
وقالت السفيرة منى عمر: "سبق الاجتماع الوزاري تنسيق مشترك بين الجانبين المصري والصيني من خلال الرئاسة المشتركة المصرية- الصينية للمنتدى بعد قمة بكين عام 2006، حيث حرصت مصرعلى بذل أقصى جهد ممكن لدعم مسيرة التعاون المشترك بين الجانبين الأفريقي والصيني، وذلك انطلاقا من إيمانها بعمق وحيوية الفرص الهائلة المتاحة في الشراكة على أساس من المساواة والاحترام المتبادل، والتعاون الاقتصادي القائم على المنفعة المتبادلة، وذلك بهدف مواجهة التحديات المتزايدة على الساحة العالمية والوفاء باحتياجات أفريقيا التنموية وإدراكا من الجانب الصيني للتحديات التي تواجه منتدى التعاون الأفريقي- الصيني، ورغبة في الارتقاء بمستوى التعاون والمشاركة الإستراتيجية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للجانبين." وقالت منى عمر إن كلمات قادة الصين خلال الجلسة الافتتاحية وخلال أعمال الاجتماع عكست رؤية متكاملة واهتماماً بالغاً بالشراكة بين الجانبين، وهي شراكة تقوم على أساس المصالح المشتركة، وتتميز بأنها الشراكة الوحيدة مع القارة الأفريقية التي تتم دون شروط سياسية ودون التزامات أو فرض لأنماط سياسية على الدول الأفريقية، على عكس التمويل والدعم المقدم من المؤسسات الغربية لأفريقيا والذي يرتبط بموضوعات تتعارض مع الخصوصية التي تتميز بها المجتمعات الأفريقية، وهي خصوصية تقوم على عناصر بيئية واجتماعية وثقافية تتصف بها القارة، مثل سيادة الطبيعة القبلية والرعوية وهي أمور كلها تتعارض مع المجتمعات الغربية.
تقارب ثقافي بين الصين وأفريقيا
قالت منى عمر: "في ضوء التقارب الثقافي بين أفريقيا والصين والارتباط المجتمعي، اكتسبت الشراكة الأفريقية- الصينية أبعادا جديدة وانعكس ذلك في العائد منها على المواطن الأفريقي العادي، حيث يوجد في أفريقيا حاليا مئات من الخبراء الصينيين الذين يقومون ببناء أفريقيا ونقل المعرفة والتكنولوجيا التي حققتها الصين من خلال برامجها في السنوات الأخيرة والتي أصبحت داعمة لكافة الشعوب الأفريقية. وفي الوقت الذي يسعي فيه الغرب للترويج للإدعاءات بأن التعاون الأفريقي- الصيني يرتبط بمصالح صينية، فالحقيقة أن جوهر الشراكة الأفريقية- الصينية يهدف بالدرجة الأولى إلى خلق مصالح مشتركة تعود بالنفع على الجانبين الأفريقي والصيني، في إطار من تحقيق المكاسب للجميع. وأبلغ دليل على ذلك، المبنى العملاق الذي شيدته الصين ليكون مقراً للاتحاد الأفريقي في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا، وقدمته هدية للقارة الأفريقية ليظل شاهداً ونموذجاً على الارتباط المتعدد الأبعاد بين أفريقيا والصين."
إعلان وخطة عمل بكين
يعكس إعلان وخطة عمل بكين اللذان صدرا في ختام الاجتماع الوزاري التقدم الذي أحرزه منتدى التعاون الصيني- الأفريقي حتى الآن، باعتباره الإطار الرئيسي للتشاور والحوار بين الصين والقارة الأفريقية لتحقيق أهداف الشراكة بين الجانبين.
وقد جاءت نتائج الاجتماع الوزاري محققة لتطلعات أفريقيا، من خلال ما أعلنه الجانب الصيني من تعهدات والتزامات والتي كانت كالعادة مفاجأة سارة مقدمة من الشعب الصيني لأشقائه في القارة الأفريقية، خاصة المبادرات الصينية الخاصة بإلغاء الديون وتخفيض الجمارك على السلع الأفريقية والالتزامات الاستثمارية في المشروعات المختلفة، والتي تعد شاهدا ملموسا على التعاون الحقيقي بين الجانبين. ولعل ما قاله شي جين بينغ، نائب الرئيس الصيني، خلال افتتاح الدورة الثانية للمنتدى الشعبي الصيني- الأفريقي الذي عقد في العاشر من يوليو في مدينة سوتشو الصينية خير دليل على حقيقة التعاون بين أفريقيا والصين والذي يعد نموذجا جيدا للتعاون بين الجنوب والجنوب باعتبار أن الجانبين ينتميان إلى الدول النامية التي تعاني من نفس المشاكل وتواجه نفس التحديات وتتعاون معا من أجل مجابهتها. قال نائب الرئيس الصيني في كلمته إن الاستثمارات الصينية في القارة الأفريقية تجاوزت 7ر14 مليار دولار أمريكي. وقال إن نحو ألفي مشروع استثماري صيني يجري تنفيذها حاليا في دول القارة السمراء. وأكد السيد شي على أن الصين عازمة على وضع يدها في يد الدول الأفريقية لإعطاء دفعة قوية للتنمية تقوم على أساس نمط جديد من الشراكة الإستراتيجية. وقال السيد شي: "تعتزم الصين توسيع مجالات التعاون مع الدول الأفريقية لتلبية طموحات شعوبنا. ولن ينسى الشعب الصيني وقوف دول أفريقيا معه في قضاياه الكبرى في الاستقلال والسيادة والأمن ووحدة أراضية." وأكد أن هناك احتراما متبادلا بين الصين ودول أفريقيا لما يختاره كل طرف من نظام اجتماعي ونهج للتنمية وفقا لظروفه الوطنية مع احترام استقلاله وأمنه القومي ووحدة أراضية والمخاوف الخاصة به.
واعتبرت السفيرة منى عمر أن التعاون الأفريقي- الصيني يمثل نجاحاً تستبشر به الشعوب الأفريقية، كما أن التضامن بين الجانبين من شأنه دعم القضايا والمشاكل التي تتم مناقشاتها والتفاوض بشأنها في المحافل الدولية، وأبلغ دليل على ذلك هو دعم الصين للمطالب الأفريقية برفع الظلم التاريخي الذي تعرضت له القارة الأفريقية في مجلس الأمن الدولي، وكذلك الموضوعات الخاصة بالتمثيل الأفريقي العادل في المؤسسات المالية الدولية.

من جانبه، أكد السفير إبراهيم علي حسن، مساعد وزير الخارجية المصرية للشؤون الخارجية، أن المنتدى هو الإطار الرئيسي للتشاور والحوار بين الصين والقارة الأفريقية، مشيرا إلى أن العمل بالمنتدى يعتمد على عدد من الآليات على رأسها عقد اجتماع وزاري كل ثلاث سنوات بالتناوب بين الصين والدول الأفريقية، على أن يسبقه اجتماع تحضيري لكبار المسؤولين. هذا فضلا عن قيام مجموعة السفراء الأفارقة المعتمدين في العاصمة الصينية بعقد اجتماعات دورية في هذا الإطار مع سكرتارية لجنة المتابعة الصينية، ويمثل مصر فيها سفيرها في الصين. ويضم المنتدى في عضويته حاليا خمسين دولة أفريقية إلى جانب الصين. وقال حسن إن نشأة المنتدى تمثل حقبة جديدة لتطور العلاقات الأفريقية- الصينية تقوم على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وتنأى عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء. وقال إن المنتدى تحول مع مرور الوقت وزيادة عدد أعضائه، إلى منصة هامة للحوار وفاعلة للتعاون بين الجانبين، وهذا ما ترجمه الاجتماع الوزاري الأخير للمنتدى، مما جعله بحق نموذجاً رائدا في التعاون بين دول الجنوب، وإطارا مؤسساٍ لتبادل وجهات النظر في القضايا ذات الاهتمام المشترك ويسعى إلى دعم التفاعل بين الثقافات والشعوب وتعميق الصداقة والثقة المتبادلة بين الطرفين فضلا عن ترسيخ مفهومي الحوار والمشاركة من أجل التنمية.
وأوضح الدبلوماسي المصري الكبير أنه تم عقد خمسة اجتماعات وزارية للمنتدى منذ إنشائه، في بكين عام 2000، وفي أديس أبابا عام 2003، وفي بكين في عام 2006، وفي شرم الشيخ في نوفمبر 2009، وأخيراً في بكين 2012.

شراكة استراتيجية

وأوضح السفير إبراهيم علي حسن أن أبرز إنجازات المنتدى خلال تلك الدورات الخمس هي إصدار إعلان وخطة عمل بكين للفترة من سنة 2013 حتى سنة 2015، ووثائق تعزيز التعاون في مجالات الشؤون السياسية والسلم والأمن الإقليمي والتعاون والتنسيق في المحافل الدولية والتعاون الاقتصادي والثقافي وتبادل الزيارات على المستوى الشعبي، وقد تم من قبل الإعلان عن إقامة "شراكة إستراتيجية بين الصين وأفريقيا" تقوم على أساس المساواة والثقة والاحترام

المتبادل وتدعم المصالح المشتركة للجانبين، فضلا عن إنشاء "منتدى الأعمال الصيني- الأفريقي" منذ الدورة الثانية للاجتماع الوزاري للمنتدى، وتدشين "آلية الحوار السياسي المنتظم بين الجانبين الصيني والأفريقي" بين وزراء خارجية الدول الأعضاء تعقد في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما تم إنشاء "المنتدى الصيني- الأفريقي للمرأة" الذي استضافته القاهرة في دورته الأولى في أكتوبر 2009 بهدف تعزيز التعاون بين الجانبين لتدعيم دور المرأة بينما عقدت الدورة الثانية منه في بكين في أكتوبر 2011.

وقال السفير إبراهيم علي حسن إن العلاقات الصينية الأفريقية شهدت منذ إنشاء المنتدى نموا مطردا، حقق للجانبين العديد من المكتسبات على الصعيدين السياسي والاقتصادي، حيث حظيت سياسة "الصين الواحدة" بدعم متزايد من جانب الدول الأفريقية، بينما أبدت الصين مساندة متنامية لمواقف أفريقيا وطموحاتها السياسية والاقتصادية ومطالبها المشروعة لاحتلال مكانتها اللائقة في المحافل الدولية، وخاصة مجلس الأمن. كما توطدت دعائم التعاون بين الجانبين، خاصة في المجال الاقتصادي. وعززت الصين في استثماراتها في مشروعات البنية الأساسية بالقارة الأفريقية، وخاصة في قطاعات الكهرباء والمواصلات والاتصالات والري والتعدين والبتروكيماويات. وبلغ عدد المشروعات الاستثمارية الصينية نحو ألفي مشروع كما زاد حجم السلع الأفريقية المعفاة من الرسوم الجمركية إلى 4800 سلعة، بما يمثل 60% من الصادرات الأفريقية إلى الصين، كما قامت الصين بإلغاء 312 دينا عن 35 دولة أفريقية في الفترة من 2000 إلى 2009، وأنشأت الصين ست مناطق اقتصادية في ست دول أفريقية من ضمنها مصر. كما استمرت الصين في دعم برامج التنمية البشرية في أفريقيا سواء من خلال الكوادر الأفريقية أو إنشاء المدارس النموذجية بالمناطق الريفية في عدد من دول القارة، فضلا عن تقديم المنح الدراسية للطلبة الأفارقة بالمدارس و الجامعات الصينية. وشهد التعاون في المجال الصحي دفعة كبيرة من خلال المساعدات الدوائية المقدمة لأفريقيا للتغلب على الأمراض المتوطنة وإنشاء المستشفيات والمراكز الطبية.

واختتم إبراهيم علي حسن حديثه بالقول إن مصر لعبت دورا فاعلا في أنشطة المنتدى المختلفة وتولت الرئاسة المشتركة مع الصين للمنتدى حتى الشهر الماضي، حيث سلمت الرئاسة لجنوب أفريقيا وسوف تستمر في تعزيز التعاون بين الصين وأفريقيا بما يحقق المصالح المشتركة لشعوب أفريقيا والصين وتعزيز السلم والأمن الدوليين ولتعميق التعاون الاستراتيجي وتعزيز التنمية المشتركة.

المقالات المعنية