التعليقات وردود الأفعال

التنمية المستدامة وترشيد استخدام الطاقة

موعد الأصدار:2012-09-26 | اجعل حجم الخط أكبر | اجعل حجم الخط أصغر

الكاتب: | مصدر:

ملخص:

اعتاد الناس أن تقترن كلمة "الأكبر" بالصين، فهي أكبر دولة مصدرة، وأكبر سوق للهواتف النقالة، وبها أكبر عدد من مستخدمي الإنترنت في العالم. ومن حيث الأسواق والمؤشرات الأخرى تحتل الصين الصدارة أيضا. الاستثناء في كل ذلك هو "أكبر اقتصاد في العالم"، فمازالت الولايات المتحدة الأمريكية تحمل هذا اللقب. وتشير تقديرات متحفظة إلى أن الصين ستقفز إلى هذه المكانة بحلول عام 2030. "الأكبر" ليست دائما نعمة للصين، فقد تكون أيضا نقمة، فمعدلات التنمية الاقتصادية للصين تشير إلى أن الصين في طريقها لتصبح "أكبر" دولة مستهلكة للطاقة في العالم!.

قبل فترة غير بعيدة، كان محرك التنمية الاقتصادية للصين هو الصناعات الرئيسية والثانوية. ويؤدي التحول الحضري إلى توفير قوة العمل، وتسهم شبكات الطرق والجسور والسكك الحديدية وخطوط الشحن البرية، في تمهيد الطريق. أسهم النجاح الاقتصادي في تحقيق منافع للناس، ولكنه أدى إلى زيادة شديدة في استهلاك الطاقة.

النمو الكبير يعني احتياجات أكبر

منذ أن بدأت مسيرة الإصلاح والانفتاح في عام 1979، حققت الصين على مدى عدة عقود نموا اقتصاديا سريعا يدعو للفخر. ولكن الاقتصاد الذي ينمو بسرعة يعني زيادة سريعة في استهلاك الطاقة. باستثناء فترة الأزمة المالية الآسيوية (1997- 2000) لم تتوقف زيادة طلب الصين على الطاقة خلال العقود الثلاثة المنصرمة. من عام 1997 إلى عام 2001، كانت زيادة معدل استهلاك الطاقة 1ر4%، أي أقل بكثير من معدل زيادة إجمالي الناتج المحلي الذي بلغ7ر9%. وبعد انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية في عام 2001، ازداد طلب الصين على الطاقة، حيث زاد أربعة أضعاف خلال الفترة من سنة 2001 إلى سنة 2006. ووفقا لإحصاءات شركة "بريتش بتروليومBP" البريطانية، في عام 2010 بلغ استهلاك الصين من مصادر الطاقة؛ النفط والفحم والطاقة الشمسية والرياح، 432ر2 مليار طن مكافئ نفط، مقارنة مع 286ر2 طن للولايات المتحدة الأمريكية. كانت هذه أول مرة تتجاوز فيها الصين الولايات المتحدة الأمريكية في استهلاك طاقة. أصبحت سوق الطاقة الصينية مؤثرة بشكل متزايد، وتشير التوقعات إلى أن زيادة طلب الصين على الطاقة سوف تستمر مستقبلا. لا يزال الفحم هو المكون المهيمن على تركيبة الطاقة في الصين، إذ يشكل 70% من إجمالي إنتاج البلاد من الطاقة. هيمنة الفحم من سمات سوق الطاقة الصينية، ومن ثم فلا غرابة أن الصين هي "الأكبر عالميا" في استهلاك الطاقة. السمة الأخرى هي أن متوسط نصيب الفرد من الطاقة في الدولة الأكثر استهلاكا في الطاقة، أقل بكثير عن المتوسط في اقتصادات متقدمة أخرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا واليابان. متوسط استهلاك الفرد الصيني من النفط يعادل عُشر نظيره الأمريكي، فالمستوى التقني المتخلف لاستخدام الطاقة يؤدي إلى تقليل فاعلية الاستخدام. حاليا، استهلاك الطاقة لكل وحدة من الناتج الصناعي ذي القيمة المضافة بالصين، أعلى بكثير مما في الدول المتقدمة. كل هذا يجعل الصين تشهد أعلى معدلات عالمية في مجال تدهور بيئة الأراضي والهواء والمياه. على سبيل المثال، يستهلك قطاع البناء في الصين من ضعفين إلى ثلاثة أضعاف نظيره في الدول المتقدمة. والمصانع الصينية أقل كفاءة بثلاث أو خمس مرات عن نظيراتها في الهند والولايات المتحدة الأمريكية واليابان، بينما تستهلك مصانع الفولاذ بالصين طاقة أكثر من المتوسط العالمي بعشرين في المائة. في عام 2007، كانت نسبة كثافة الطاقة- وهي كمية الطاقة الأساسية المستخدمة لكل وحدة إنتاج في إجمالي الناتج المحلي- في الصين أعلى بخمس وعشرين في المائة عن مثيلتها في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي. رغم ذلك، هناك بشائر مشجعة، فقد أخذت نسبة كثافة الطاقة في الصين في الانخفاض كثيرا منذ الثمانينات. لهذه الأسباب وغيرها، ستكون قضايا الطاقة من بين عدة مشاكل حاسمة تواجهها الصين في مسيرة تنميتها على المدى الطويل. وحتى في يومنا هذا، يثير الطلب المتزايد للبلاد على الطاقة قلقاً، ويضع تحديات جادة أمام واضعي السياسات. إن الشغل الشاغل للصين هو تأمين إمدادات طاقة نظيفة ورخيصة وآمنة، من أجل المضي قدما بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية. حتى مطلع تسعينات القرن الماضي، كانت الصين دولة مصدرة للطاقة، ولكن الإنتاج المحلي أقل كثيرا حاليا من الطلب. زاد اعتماد الصين كثيرا على استيراد النفط، فحلت محل اليابان كثاني أكبر دولة مستوردة للنفط في العالم، لا تسبقها غير الولايات المتحدة الأمريكية. تضخم اعتماد البلاد على النفط المستورد وارتفع من 6% في عام 1993 إلى 48% في عام 2008، ثم إلى 5ر56% في عام 2011. ويعتبر الاعتماد الشديد على أسواق الطاقة العالمية، والفجوة المتزايدة بين الإنتاج المحلي والطلب على الطاقة بالبلاد، العائق الرئيسي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستقبلية للصين. وقد توقعت منظمة الطاقة العالمية أن يتضاعف طلب الصين على الطاقة خلال الفترة من 2004 إلى 2030. ومن هذا الطلب، سيزداد الطلب على النفط بأكثر من 130%. وهذه الزيادة في الطلب يجب أن تلبى عبر استيراد كميات كبيرة. وعليه، فإن بروز الصين كدولة مستهلكة كبيرة للطاقة سيواصل تأثيره الواسع على أسواق الطاقة في العالم. هذا الوضع ينذر بالمزيد من المنافسة الشديدة على الموارد في ظل تناقص هذه الموارد وعدم تجددها.

مازال الطريق طويلا

ومع زيادة الاعتماد على موارد الطاقة من الخارج، تزداد أيضا مصادر القلق حول أمن هذه الموارد. وبسبب القلق من التعرض لآثار تقلبات الأسواق العالمية، ظلت الصين تسعى إلى زيادة أمن إمداداتها النفطية من خلال تشجيع شركاتها النفطية على الاستثمار في دول منتجة للنفط. ومن بين أهدافها الأساسية تنويع مصادر إمداداتها في مجالي المصادر الرئيسية والمواقع الجغرافية، بينما تواصل الاستثمار في مجال مولدات الطاقة المعتمدة على الفحم. الحقيقة أن الصين فقيرة نسبيا في موارد الطاقة، فليس لديها احتياطات كبيرة من موارد الطاقة، وتواجه حاليا انخفاضا حادا في احتياطاتها النفطية المؤكدة القابلة للاستخراج. ومعظم الحقول الرئيسية لإنتاج النفط فيها جاوزت فترة الذروة. بالإضافة لذلك، أدت شراهة استهلاك الطاقة في الصين إلى تدهور بيئتها. ونجم عن الاستخدام الكثيف للفحم مشاكل حادة في البيئة الطبيعية. حرق الفحم يلوث الهواء وهو سبب رئيسي لانبعاث غازات الاحتباس الحراري. وتلوث الهواء يسبب زيادة في حموضة التربة وخفض مردود أو إنتاج المحاصيل الزراعية وتدمير الغطاء النباتي، كما يسبب مشاكل صحية للإنسان، خاصة للجهاز التنفسي. وإذا تطلعنا إلى عام 2020، فإن الزيادة المستمرة في الإنتاج الصناعي وإجمالي الناتج المحلي، تشير إلى أن الصين سوف تستورد كميات متزايدة من الفحم والنفط من الأسواق العالمية. تدرك الصين حجم التهديد الناجم عن استهلاكها المتزايد للطاقة، وتعرف أنه في ظل الاتجاه الحالي، تكون التنمية غير مستدامة. خلال العقد المنصرم، نفذت الحكومة الصينية عددا من الإجراءات والسياسات الرامية إلى تشجيع الطاقة المتجددة واستخدامها وزيادة فاعلية استخدام الطاقة. وقد وضعت الصين فعلا مسألة رفع فاعلية استخدام الطاقة والمحافظة عليها، على رأس أولوياتها. ونتيجة لذلك، تحسنت كثافة الطاقة بشكل مطرد خلال السنوات الماضية، وانخفضت بمعدل 70% ما بين عامي 1979 و2000، وبأكثر من 40% خلال الفترة من 1994 إلى 2009. وقد أولت الحكومة المركزية اهتماما كبيرا لتشجيع استخدام مصادر الطاقة المتجددة والتقنيات المنخفضة الكربون، مثل مصادر الطاقة النووية وأشكال الطاقة النظيفة من الفحم. ويشهد قطاع الطاقة المتجددة في الصين توسعا مطردا، ويحتل حاليا مكانة مميزة بين عدد قليل من دول متقدمة في مجال التسخين بمصادر الطاقة الشمسية ومصادر الطاقة الكهرومائية الصغيرة. وتحمل الصين لقب "الأكبر عالميا" في مجال توليد الطاقة من الرياح، حيث هناك إمكانية لتوليد 20 مليار كيلووات سنويا خلال السنوات القادمة. حاليا، يوجد في الصين أكثر من 3000 مصنع لإنتاج مواقد طهي تعمل بالطاقة الشمسية، وهذه الأجهزة الصديقة للبيئة تستخدم حاليا من قبل الملايين في الصين. ومما لا شك فيه، أن الطريق إلى تحقيق طاقة مستدامة لن يكون سهلا أبدا. ويجب إحداث تغييرات واتخاذ خطوات لتحسين فاعلية استخدام الطاقة في الصين، وضمان الاستخدام الأمثل لمصادر الطاقة المحلية وحماية البيئة وتعزيز أمن الإمدادات. والأهم من كل هذا، أن الشرط المسبق لتحقيق تنمية مستدامة هو الالتزام المتواصل بتغيير نمط النمو الحالي المعتمد على التصنيع الكثيف إلى نمط أكثر توازنا. وفي خضم هذه المسيرة، من الواضح أنه يحق للصين أن تفخر بإنجازاتها في زيادة فاعلية استخدام الطاقة محليا. أما جهودها في تحقيق اقتصاد أخضر واستخدام وقود أنظف، فهي مثيرة للإعجاب حقا. ولكن، ما زال الطريق طويلا لتحقيق الاستدامة.

دونغ ين قوه: بروفيسور في قسم التجارة الدولية بجامعة شانغهاي.

أميل بيلواسا: طالب ماجستير بنفس الجامعة.

المقالات المعنية