التعليقات وردود الأفعال

الرياضة الصينية بين تطوير النظام وإسقاطه

موعد الأصدار:2012-09-26 | اجعل حجم الخط أكبر | اجعل حجم الخط أصغر

الكاتب:يي جيان دونغ | مصدر:

ملخص:

يفخر الرياضيون الصينيون بالنتائج التي يحققونها في البطولات والمنافسات الرياضية العالمية، وتتجه أنظار العالم بقوة إلى المنظومة الرياضية الشاملة، التي قال عنها تقرير لوكالة ((رويترز)) بعد أولمبياد بكين في 2008: "كل ميدالية ذهبية فاز بها الرياضيون الصينيون في الألعاب الأولمبية، هي ثمرة لهذا النظام." ولكن الصينيين أنفسهم منقسمون، فمنهم من يرى أن نظام الرياضة القائم جيد ويحتاج فقط إلى التطوير والتحسين، ومنهم، وبخاصة المعنيين بالدراسات الرياضية والإنسانية والاإجتماعية، ضرورة إصلاحه بل وإلغائه،

والحقيقة انه لا ينبغي النظر إلى النتائج الإيجابية التي حققها الصينيون في الألعاب الأولمبية على أنها دليل على أن الصين دولة كبيرة في مجال الرياضات التنافسية.

النظام الشامل للرياضة في الصين، يجمع موارد الدولة وإدارتها مركزيا من أجل تحقيق إنجازات في المسابقات الكبرى، ومنها الألعاب الأولمبية. وفي سياق هذا النظام، تشمل إجراءات الإدارة للرياضات التنافسية الصينية، تشكيل شبكة تدريب على أربع درجات هي: فرق الهواة في البلدات، والفرق على مستوى المدن، والفرق على مستوى المقاطعات والمناطق، والفرق على المستوى الوطني. وتكون معسكرات التدريب مغلقة وتشمل الإقامة والتدريب الجماعي (يستثنى من ذلك قليل من الرياضيين المتميزين في عدد قليل من الألعاب الرياضية، وإنشاء فرق وطنية لكافة الألعاب الأولمبية بتكلفة كبيرة، ونظام الألعاب الشامل على مختلف الدرجات في مختلف المناطق الإدارية، خاصة الألعاب الوطنية.

يحقق هذا النظام نتائج جيدة، فالصين تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد الميداليات الذهبية في دورات الألعاب الآسيوية منذ الدورة التاسعة لها في عام 1982، ويتوسع الفارق بين الصين والدول الآسيوية الأخرى مع مرور الأيام. وفي دورات الألعاب الأولمبية، يزداد عدد الميداليات الذهبية التي تحرزها الصين دورة بعد أخرى. فمنذ دورة الألعاب الأولمبية الصيفية لعام 1992 حتى دورة عام 2008، كان عدد الميداليات الذهبية التي أحرزتها الصين كما يلي: 16، 16، 28، 32،51، وكان ترتيبها: 4، 3، 2، 1 على التوالي. وفي مايو عام 2012، توقعت اللجنة الأولمبية البريطانية أن الصين أن تحتل الصين تحتل المرتبة الأولى في قائمة الميداليات الذهبية في أولمبياد لندن باثنتين وأربعين ميدالية.

تحقيق هذه النتائج يؤكد تفوق النظام الرياضي الوطني في الصين. لكن في الوقت نفسه، لا يمكننا أن نتجاهل حقيقة أن النتائج الجيدة في الألعاب الأولمبية لا تعني أن الصين قد أصبحت أكبر دولة رياضية، وذلك لغياب المنافسة المتكافئة والمتكاملة.

يبلغ عدد الألعاب التنافسية الأولمبية 28 (منها 26 فقط في أولمبياد لندن)، وما زال عدد كبير من الألعاب الرياضة غير مدرج في الألعاب الأولمبية، ومن ثم فإن النتائج الأولمبية تعني تفوق الصين في الألعاب الأولمبية ولكنها لا تعني بالضرورة أن الصين متفوقة في الرياضات الأخرى، وهي أكثر بكثير من الألعاب الأولمبية. والأهم من ذلك، أن الصين لا تحقق نتائج جيدة في كرة القدم وكرة السلة والكرة الطائرة وألعاب القوى وغيرها من الألعاب الرياضية الأكثر انتشارا جماهيريا.

الحقيقة أخرى هي أن كثيرا من الدول لا تضع إحراز الميداليات الأولمبية على قمة أولويات إستراتيجيتها الرياضية. الهند مثلا، وهي ثاني أكبر دولة سكانا في العالم، لا تهتم بالنتائج الأولمبية مع أنها تحقق تنمية اقتصادية بمعدلات عالية، ولا تبالي بما يسمى بـ"إستراتيجية وطنية" أو نمط الاستثمار في الرياضة. لم تحصل الهند منذ أولمبياد عام 1988، إلا على ميدالية أولمبية واحدة، في الرماية في أولمبياد بكين عام 2008. ثم أن المنافسات الأولمبية ليست من المسابقات التي تتم فيها مواجهة دولة أو منطقة لدول أو مناطق أخرى، أي فريق مقابل آخر، فلا يمكن للصين مثلا أن تهزم الولايات المتحدة، وروسيا، وبريطانيا، وأستراليا، وإيطاليا وغيرها من الدول الكبيرة بشكل كامل إذا واجهت هذه الدول منفردة.

نظام الإدارة المغلق

في الحقيقة، يحتاج النظام الوطني الشامل للرياضة إلى استثمارات كبيرة في مجال الرياضة التنافسية، الأمر الذي يعني تقليل الاستثمار في الرياضة الشعبية. ولأن الصين لا تولي الاهتمام الكافي للتعليم الثقافي لمعظم الرياضيين، تكون هناك صعوبة في في توظيف اللاعبين الذين لا يملكون القدرة على العمل في مجالات أخرى بعد اعتزالهم.

كل ذلك يجعل الباحثين في مجال الرياضة يطالبون بإصلاح النظام الوطني الشامل للرياضة بل وإلغائه، كما تثير هذه القضية اهتماما بالغا في المجتمع.

نظام الرياضة القائم نظام مغلق يعمل في دائرة الرياضة المغلقة ويفتقر إلى القدرة على جمع الموارد الاجتماعية الغنية والتغلغل في الأنظمة الأخرى. تجاول الصين منذ سنة 1968، إعداد فرق رياضية عالية المستوى في الجامعات، ورغم ذلك، لم يظهر حتى الآن أي بطل أولمبي من الجامعات (باستثناء الجامعات المتخصة في الرياضة)، على عمس الولايات المتحدة الأمريكية التي يخرج أكثر من 60% من أبطالها الأولمبيين من من الجامعات. جامعة تشينغهوا، وهي أفضل جامعة صينية من حيث الرياضة، أنشأت نظاما لإعداد الرياضيين منذ الطفولة، إلا أن الدوائر الرياضية أوقفت ذلك النظام الذي كان على وشك تحقيق النجاح. النظام الوطني الشامل هو "نظام الدوائر الرياضية كلها"، وهو عبارة عن استخدام الموارد من الدوائر الرياضية من أجل الحصول على مصالح شخصية معينة بحجة تحقيق مساهمات سياسية تتمثل في ما يسمى بـ"تحقيق المجد للوطن"، الأمر الذي يؤدي إلى تشديد الإدارة المغلقة، وإقصاء المخالفين في الرأي.

بعد أولمبياد بكين، شرعت بعض الدول في اتخذا إجراءات لإعادة النظر في أنظمة إدارة الرياضة التنافسية، والعمل على تنمية وتطوير الرياضة. ولكن لا ينبغي أن يظن البعض أن تلك الإجراءات تهدف إلى تقليد النظام الصيني. وعلى سبيل الثمال، اقترح في الولايات المتحدة الأمريكية إطالة وقت التدريب، ولكن نظام الإدارة للرياضيين في الجامعات لم يتغير، حيث لا يمكن للرياضي الذي لا ينجز مهمة الدراسة أن يشارك في التدريب، ولا يسبب تغيير نظام الإدارة، بعض التعديلات للألعاب الأولمبية. وعلى الرغم من أن اليابان وضعت خطة لتكون بين المراكز الثلاثة الأولى في أولمبياد لندن وإضافة الاستثمار في الرياضة، إلا إن نظام الإدارة الذي يهتم بالنوعية البدنية للمواطنين لم يتغير.

بعد زيارات قمت بها خلال العامين الأخيرين لست دول أوروبية، رأيت كيف تطبق هذه الدول المتقدمة نظاما وطنيا شاملا في مجال الرياضة الاجتماعية، إذ أن معظم الأهداف الاجتماعية تتعلق بالرياضة. في ألمانيا، تنتشر النوادي الرياضية من أجل تلبية حاجات ورغبات المواطنين بيسر، مع احترام ومساعدة المعاقين والمسنين والنشء والمهاجرين، ومكافحة المخالفات والجرائم، والعمل على زيادة فعالية الإنتاج، وتعزيز وحدة المجتمع، والحذر والوقاية من المخدرات. يمكن أن تلمس اهتمام المجتمع بالرياضة في كل مكان.

هدف المستقبل

ثلث دول العالم ليس لديها حاليا مؤسسات رياضية مستقبة، وإنما تخضع الرياضة فيها لمؤسسات الثقافة والتعليم والسياحة والفنون والشباب، وأحيانا لمؤسسات الشؤون الدينية. بعد إصلاح الدوائر الحكومية في الصين عام 1998، أنشأت بعض الحكومات المحلية أقساما معينة لإدارة شؤون الثقافة والإذاعة والتلفزيون والسينما والرياضة، مما جسد فكرة الجمع بين الرياضة والقضايا الاجتماعية الأخرى. لكن في الحقيقة، لم تنجح المحاولة بسبب الانحراف في عملية التطبيق. ولهذا، ربما يكون الإصلاح الشامل هو الحل. إذا تحقق ذلك، سوف يستطيع النظام الوطني الشامل للرياضة (بما فيها الرياضات التنافسية) أن يحقق هدف التنمية والتطوير الرياضي على أساس التوظيف الشامل لموارد الدولة.

(يي جيان دزنغ، أستاذ العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة الرياضة ببكين.

 

المقالات المعنية