التعليقات وردود الأفعال

الجودة قبل السرعة في التنمية الاقتصادية

موعد الأصدار:2012-09-26 | اجعل حجم الخط أكبر | اجعل حجم الخط أصغر

الكاتب:هو جيانغ يون | مصدر:

ملخص:

ظلت الصين، منذ انتهاجها سياسة الإصلاح والانفتاح في نهاية سبعينات القرن الماضي، تعتبر الحجم والسرعة المعيار الرئيسي لنمو اقتصادها، وقد تعزز هذا التوجه بشكل خاص في حقبة تسعينات القرن المنصرم، مع تبني الصين اقتصاد السوق. والحقيقة أنه بالنسبة للاقتصاد الكلي لأي بلد، وخاصة في البلدان النامية؛ يمثل إجمالي الناتج المحلي ومعدل نموه عنصرين هامين، فالناتج المحلي الكبير الذي ينمو بمعدلات عالية يعني توفير مزيد من فرص العمل وزيادة في الدخول وتحسن في مستوى المعيشة. ومع وصول الاقتصاد إلى المستوى الذي يتيح للناس الحصول على ما يكفيهم وبنوعية جيدة، فإنهم يبدءون في الاهتمام بجودة المنتجات وطريقة إنتاجها. الدليل على ذلك، أن الصينيين حاليا يطالبون بمنتجات تضمن لهم صحتهم وسلامتهم وتحافظ على البيئة الطبيعية. الأكثر من ذلك أنهم يطالبون بأن تتوفر في تلك المنتجات الالتزامات والضوابط الدولية المعنية وألا يتم إنتاجها بطريقة فيها انتهاك لحقوق العاملين. وتتزايد في الصين الأصوات المطالبة بمراعاة الاستخدام الجيد لعناصر الإنتاج والطاقة وتدويرها خلال عملية الإنتاج؛ أي المطالبة بالتنمية المستدامة. غير أن الطريقة التقليدية للتنمية الاقتصادية وزيادة الناتج المحلي الإجمالي لا تهتم بقضايا مثل سلامة البيئة والبناء الاقتصادي.

وفقا للبيانات التي أعلنتها مصلحة الدولة الصينية للإحصاء، بلغ معدل النمو السنوي للاقتصاد الصيني 9ر9%، حسب الأسعار الثابتة، خلال الفترة من سنة 1979 إلى سنة 2010، ووصل إلى 5ر10% في الفترة من سنة1991 إلى سنة 2010. وقد ظل الاقتصاد الصيني يحقق معدل نمو جيدا بعد الأزمة المالية الآسيوية، فكان 8ر7% في سنة 1998 و6ر7% في سنة 1999. وحتى في أصعب سنوات الركود الاقتصادي الناجم عن الأزمة المالية العالمية، حافظ اقتصاد الصين على معدل نمو بلغ 6ر9% في سنة 2008، و2ر9% في سنة 2009، و4ر10% في سنة 2010، وهي معدلات فاقت معدل النمو الاقتصادي لكثير من دول ومناطق العالم.

برغم تواصل تداعيات الأزمة المالية العالمية وحالة عدم اليقين بشأن الاقتصاد العالمي، يمكن القول إن دول العالم تشهد انتعاشا اقتصاديا تدريجيا. في ظل هذه الظروف، تسعى الصين إلى تحقيق تنمية اقتصادية توازن بين الجودة والكمية، وبين السرعة والفاعلية. وتنتهج الصين حاليا سياسة مالية صارمة وسياسة نقدية متبصرة، وتولي مزيدا من الاهتمام لخفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي من أجل تهيئة فضاء لتنمية اقتصادية سليمة وصحية.

تقوم الصين بإعادة هيكلة اقتصادها بطريقة مناسبة وتسعى إلى تحقيق تنمية اقتصادية سليمة ومستدامة. وقد كان من أهداف ((الخطة الخمسية الحادية عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية)) للفترة من سنة 2006 حتى سنة 2010، تعديل نمط التنمية الاقتصادية ودفع إعادة الهيكلة الصناعية وتشجيع اقتصاد التدوير. بيد أن الأزمة المالية، التي بدأت في سنة 2008، وضعت مشاكل جمة أمام تحقيق هذه الأهداف. من أجل مواجهة تداعيات الأزمة المالية على الاقتصاد الصيني، ولزيادة السيولة المالية، عدلت الحكومة الصينية سياستها المالية والنقدية وانتهجت سياسة مالية نشيطة وسياسة نقدية مرنة نسبيا. عمليا، طبقت المؤسسات المالية الصينية سياسة مالية مرنة من حيث الأساس، مما أدى إلى زيادة كبيرة في السيولة المالية. علاوة على ذلك، ظلت الصين خلال السنوات السابقة تعدل سياساتها الاقتصادية على أساس مراقبتها للتغيرات في الاقتصاد العالمي والمحلي. ومع اتجاه الاقتصاد العالمي إلى التعافي (برغم عدم التعافي التام لاقتصاد منطقة اليورو)، حان الوقت لتعود الصين إلى جهودها في تعديل نمط التنمية والاستغلال الجيد لهيكلها الاقتصادي.

الصين، باعتبارها ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، تدرك أكثر من أي وقت مضى، ازدياد أهمية جودة النمو الاقتصادي السليم. لقد توسع اقتصاد الصين كثيرا منذ انتهاج البلاد سياسة الإصلاح والانفتاح. تشير البيانات المعنية إلى أنه في سنة 2011، احتل كل من الناتج المحلي الإجمالي للصين وحجم تجارتها السلعية أكثر من 10% من حجمهما العالمي. مع ذلك، مازال الاقتصاد الصيني يعتمد في نموه السريع على النمط السابق، في وقت بات من الصعب أن تدعم احتياطات الموارد والطاقة والعناصر الأخرى في الأرض تنمية الاقتصادات الكبرى بما فيها الصين والولايات المتحدة الأمريكية باستمرار، لذلك، ثمة حاجة ملحة إلى رفع جودة النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية. من ناحية أخرى، مع زيادة نصيب الفرد من الدخل وحل مشكلة الغذاء والكساء، تتزايد مطالبة الناس بجودة الحياة ونمط الحياة والبيئة المعيشية.

علاوة على ذلك، يساهم خفض سرعة نمو الاقتصاد الصيني أيضا في حل مشاكل معينة في داخل الصين وخارجها. بعد اندلاع الأزمة المالية العالمية، ارتفعت أسعار الغذاء والمواد الخام، ومنها النفط، في السوق العالمية. ولم يفلت أي بلد من التضخم المالي الناجم عن الأزمة المالية. وقد بادرت الولايات المتحدة الأمريكية باتخاذ سياسة نقدية مرنة، تمثلت في سياسة المرونة الكمية، كما اتخذت دول العالم الكبرى سياسات نقدية مشابهة.

ومن المشاكل التي تقلق الصين أيضا التنمية الاقتصادية غير المتوازنة بين مناطقها المختلفة، فقد تخلفت مناطق غربي الصين كثيرا عن المناطق الساحلية الشرقية. كما أن هناك خللا بين القطاعات الصناعية المختلفة، يتمثل رئيسيا في تطور قطاعات التصنيع وضعف قطاع الخدمات. يضاف إلى ذلك، التباين بين المناطق الصينية في مستويات التوجه نحو السوق، واستمرار التشوهات الاقتصادية، المتمثلة في الاحتكارات في بعض القطاعات، وضيق الأفق، المتمثل في الحواجز السوقية في بعض المناطق. كما أن هناك فجوة كبيرة بين الحضر والريف في مجالات التعليم والضمان الاجتماعي والتوظيف.

من أجل تقليل معدل النمو الاقتصادي، هناك حاجة ملحة للصين في تعميق الإصلاح والتغلب على المخاطر الكامنة التي ستبقى سنوات عديدة ولم تكتشف حتى الآن، إلى جانب التعامل مع المشاكل الجديدة التي تظهر خلال مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

المقالات المعنية