التعليقات وردود الأفعال

الابتكار الذاتي

موعد الأصدار:2012-09-26 | اجعل حجم الخط أكبر | اجعل حجم الخط أصغر

الكاتب:لي يا هونغ | مصدر:

ملخص:

قبل عشرين سنة ونيف صارت منطقة تشونغقوانتسون الواقعة في حي هايديان بشمال غربي مدينة بكين، مركز تجارة المنتجات الإلكترونية، فهي وادي السيليكون في الصين. ومازالت هذه المنطقة أفضل مكان في العاصمة الصينية لشراء أحدث الإلكترونيات، ولهذا فإن الحكومة اختارتها لتكون أول منطقة نموذجية للابتكار الذاتي الجديد في الصين.

والحقيقة أن تاريخ تطور تشونغقوانتسون هو ذاته تاريخ الابتكار الجديد في الصين. يقول رئيس مركز بحوث التطوير في تشونغقوانتسون، تشاو هونغ: "إن تطور تشونغقوانتسون من منطقة اعتمدت على نفسها بدون تمويل من الدولة سنة 1980 إلى منطقة يصل دخلها السنوي إلى حوالي بتيلون يوان (الدولار الأمريكي يساوي 6.82 يوانات)، يعكس تغير المجتمع الصيني. وقد كلفت الدولة تشونغقوانتسون بدور جديد ومسؤولية جديدة."

الأول في العالم

تشونغقوانتسون، التي كانت ضاحية صغيرة يغلب عليها الطابع الريفي، تتميز بأن فيها العديد من الجامعات ومعاهد البحث العلمي، ومنها جامعتا بكين وتشينهوا.

في سنة 1978، أكد مهندس الإصلاح والانفتاح في الصين دنغ شياو بينغ على أن "العلوم والتكنولوجيا قوة إنتاج". بعد سنتين من ذلك، أسس تشن تشون شيان، وهو باحث بالأكاديمية الصينية للعلوم أول شركة تكنولوجيا قطاع خاص في الصين. بعد زيارات متعددة إلى وادي السليكون في الولايات المتحدة، خَلص تشن تشون شيان إلى أن سر تقدم الولايات المتحدة السريع هو أن العلماء يحولون الابتكارات إلى منتجات، ويقيمون المصانع بالقروض والاستثمار المشترك.

يقول تشاو هونغ: "في ذلك الوقت كانت شركات الإلكترونيات العالمية تتلهف لدخول السوق الصينية وكانت تحتاج إلى منصة لعرض منتجاتها. وحيث أن تشونغوانتسون تعتبر مركزا للعلماء والباحثين في بكين فإن احتياجاتهم لأجهزة الكمبيوتر والمنتجات الإلكترونية الأخرى وضعت اللبنات الأولى لسوق الإلكترونيات في تشونغقوانتسون."

كانت تشونغقوانتسون في البداية تعطي زائرها الانطباع بأنها سوبر ماركت ضخم به منافذ بيع ومحلات كثيرة تبيع أجهزة التصوير وشاشات الكمبيوتر وغيرها من المنتجات الإلكترونية، ويتدفق إليها ويخرج منها كل يوم عدد لا يحصى من الدراجات ذات الثلاث عجلات محملة بالبضائع. في نهاية سنة 1991، جاوز عدد الشركات المسجلة في تشونغوانتسون 1300 شركة، يعمل فيها عشرون ألف فرد على الأقل. يقول تشاو هونغ: "حينذاك، لم يكن مر وقت طويل على تحول الصين من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق، ولذا لم تكن مفاهيم الناس تغيرت، وكان أكثر من 700 شركة من هذه الشركات تزعم أنها مملوكة للدولة أو ذات ملكية جماعية."

في سنة 1984، أسس ليو تشوان تشي شركة تطوير التكنولوجيا الجديدة التابعة لمعهد البحوث التكنولوجية بالأكاديمية الصينية للعلوم. هذه الشركة التي بدأت في غرفة للاستعلامات هي مجموعة لينوفوLenovo الحالية. لم يكن ليو تشوان تشي أكثر من مهندس عادي، بدأ شركته ببيع قطع غيار وإكسسوارات الكمبيوتر بالوكالة في وقت كانت السوق الصينية متعطشة للمنتجات الإلكترونية العالية التكنولوجيا. حققت شركة ليو تشوان تشي أرباحا ضخمة. تطورت منطقة تشونغوانتسون حتى صارت أكبر سوق للإلكترونيات في بكين بل وفي الصين. يقول تشاو هونغ إن 98% من أجهزة الكمبيوتر التي تباع في تشونغقوانتسو هي ماركات أجنبية مثل كومباك، آي بي إم، وهيوليت باكارد، فسوق تشونغقوانتسون مليئة بالإلكترونيات القادمة من أنحاء العالم.

لقد سار رواد الأعمال في شونغقوانتسون على طريق التطور وفقا للواقع. الكل يعلم أن حجر الزاوية في الصناعة هو رأس المال والتكنولوجيا. في ذلك الوقت كان العلماء والباحثون في تشونغقوانتسون يمتلكون التكنولوجيا، ولكن اقتصاد السوق كان لا يزال في بداياته بالصين ولم يكن الصينيون يعلمون شيئا عن البورصة وسوق الأوراق المالية، ولا يوجد استثمار المخاطر والأسهم والتجارة الآجلة. في ظل هذا الواقع لجأ رواد تشونغوانتسون إلى البيع بالوكالة، حتى جمعوا رأس المال، ثم شرعوا يقلدون ويتعلمون ويستقدمون التكنولوجيا المتقدمة، وبعد استيعابها جيدا بدءوا يبتكرون هم أنفسهم التكنولوجيا المتطورة.

يقول تشاو هونغ: "خلال أكثر من عشرين سنة من مسيرة تطور تشونغقوانتسون، نشأت وترعرعت ثقافة 'تشجيع المغامرة والجرأة لتكون الأول في العالم'." أضحت لينوفو شركة عالمية كبيرة، وفي سنة 2004 اشترت لينوفو الأعمال التجارية للحاسبات الشخصية آي بي إم. وبعض شركات تكنولوجيا المعلومات التي تأسست في تشونغقوانتسون صارت لها أعمال خارج الصين، ومنها مجموعة فاوندر وشبكات إنترنت سينا وسوهو وبايدو ووانغبي.

بين التلاشي والصعود

يوجد في تشونغوانتسون حاليا عشرة حدائق (مناطق) تكنولوجيا عالية، وتشكلت فيها مجموعة من الصناعات في مقدمتها صناعة تكنولوجيا المعلومات، الأدوية البيولوجية، الطيران والفضاء، المواد الجديدة، الطاقة الجديدة والاقتصاد في الطاقة، الموارد والبيئة وغيرها. في سنة 2008، تجاوز عدد شركات التكنولوجيا العالية بتشونغقوانتسون عشرين ألفا، بلغ دخلها أكثر من تريليون يوان.

فضلا عن ذلك، توجد في تشونغوانتسون فروع لسبعين شركة من أقوى خمسمائة شركة في العالم، ومنها آي بي إم ومايكروسوفت. يقول تشاو هونغ: "باتت تشونغقوانتسون جبهة الصين الأمامية للمشاركة في التنافس التكنولوجي والاقتصادي العالمي." غير أن البعض له رأي آخر في تشونغقوانتسون، فهناك من يرى أن ثمة منافسة شديدة بين المنتجات من نفس النوع وبذات مستوى الجودة، مع قدرة عالية على التقليد، ولكن ذلك لا يكفي لتحقيق الابتكار الجديد.

لم يعد الباعة والتجار في تشونغوانتسون يعرضون بضاعتهم في الشارع أو يتجولون بها، حيث أقيمت بنايات خاصة للإلكترونيات تم تجميعهم فيها، ومنها بناية هايلونغ ومدينة دينغهاو للإلكترونيات. في محلات الإلكترونيات، ما إن تدخل حتى يلتف حولك مروجون لا يكلون ولا يملون من محاولة إقناعك بالشراء.

قبل خمس سنوات، قال أبو المدونات الإلكترونية في الصين، فانغ شينغ دونغ مؤسس مدونة تشونغقو (الصين)، إن تشونغقوانتسون في طور التلاشي حاليا. وكان فانغ شينغ دونغ أصدر سنة 1999 كتابا بعنوان <<تشونغقوانتسون المتدهورة>> قال فيه: "التلاشي الذي أقصده هو أن تشونغقوانتسون فقدت ريادتها ومحوريتها في هيكل قطاع التكنولوجيا العالية بالصين".

بالطبع ما قاله السيد فانغ يستند إلى وقائع، فمنذ سنة 2003 سجلت أكثر من عشر شبكات إنترنت صينية في بورصة ناسداك، ومنها كيو كيوctrip.com, hc360.com, QQ.com، بايدو، سوهو، وعلى بابا وغيرها، ولكن لم يبق منها في تشونغقوانتسون إلا بايدو وhc360.com فقط. يقول فانغ شينغ دونغ: "إضافة إلى ذلك، فقدت تشونغقوانتسون مكانتها القيادية تدريجيا في مجالات القطع الصلبة والبرمجيات والاتصالات وغيرها."

يقع مقر شركة آيقو (aigo) المتخصصة رئيسيا في إنتاج الكاميرات الرقمية، في الطابق الحادي عشر لعمارة لينوفو الدولية، وبرغم لافتات "لتكن آيقو ماركة عالمية يفخر بها الصينيون" التي تملأ المكان، مازالت منتجات آبل وسوني تحقق أعلى المبيعات الإلكترونية في المحلات الكبيرة.

لم تؤثر الأزمة المالية العالمية على تشونغقوانتسون كثيرا، ولكن لا يمكن القول إنها لم تتأثر على الإطلاق. . في سنة 2008 تباطأت سرعة نمو 40% من شركات قطاع تكنولوجيا المعلومات في تشونغقوانتسون. لأول مرة منذ شرائها لأعمال الحاسبات الشخصية لشركة آي بي إم، خسرت مجموعة لينوفو واستغنت عن بعض العاملين في فروعها خارج الصين. يقول تشاو هونغ: "الاختبار الكبير الذي تواجهه تشونغوانتسون هو ما إذا كان ممكنا إثارة حيوية الابتكار الجديد."

أي نموذج؟

يقول لينغ تشي جون، الصحفي بجريدة رنمين (الشعب) اليومية في كتابه <<الثورة الجديدة في الصين>> إن المغزى الأكبر لتشونغقوانتسون هو أنها حقل تجارب للفكر الاجتماعي الجديد وتوجهات القيم."

الحقيقة أن الاقتصاد الصيني لا يمكن أن يواصل النمو بنمط الاقتصاد الانتشاري. ومعلوم أنه في فترة التحول من نمط إلى آخر في التنمية الاقتصادية لا فكاك من حدوث مشاكل نظرية وسياسية. يقول مؤسس شركة تشونغشينغ المحدودة للإلكترونيات الدقيقة، وهي شركة تنتج رقائق الوسائط المتعددة الرقمية، دنغ تشونغ هان الذي أنشأها في تشونغقوانتسون سنة 1999، إن المشكلة الملحة التي تواجه رواد الأعمال التكنولوجية في تشونغقوانتسون والتي ينبغي أن تجد المنطقة النموذجية حلا لها هي مشكلة نظامية في الأساس.

خلال ندوة بعنوان "تشونغقوانتسون منطقة نموذجية للابتكار الذاتي الجديد على مستوى الدولة"، قال داي وي، مدير حديقة تشونغقوانتسون للتكنولوجيا العالية: "بعد أن أقيم نظام اقتصاد السوق في الصين، صار تدبير التمويل للشركات المتوسطة والصغيرة مشكلة جذرية تعوق تطور شركات التكنولوجيا العالية."

في تشونغقوانتسون، كمنطقة نموذجية للابتكار الذاتي الجديد، يمكن للجامعات والمعاهد العلمية التي تقع في المنطقة النموذجية أن تشارك في تحويل النتائج العلمية إلى منتجات. إضافة إلى إقامة منظومة سوق لرأس المال متعددة الدرجات. تعليقا على ذلك، يقول المحلل الاقتصادي يويه شيونغ وي: "إن هذا الوضع يخفف شروط تدبير التمويل لشركات التكنولوجيا العالية، ويوسع قنوات تدبير رأس المال لها، ويفتح الباب لشركات التكنولوجيا العالية لتدبير رأس المال في البورصة والحصول على القروض المصرفية."

تأمل الحكومة الصينية أن تتطور التكنولوجيا والابتكار الجديد في حديقة تشونغقوانتسون التكنولوجية وأن ترتقي إلى درجة جديدة قبل نهاية العشرين سنة الأولى من القرن الجاري، لتكون تشونغقوانتسون مركزا عالميا للابتكار التكنولوجي الجديد. يقول تشاو هونغ: "تطوير قطاع التكنولوجيا العالية لتكون له مكانة خاصة في العالم أمر يرتبط باستراتيجية الدولة."

المقالات المعنية