التعليقات وردود الأفعال

مؤسسات القطاع الخاص، إلى أين؟

موعد الأصدار:2012-09-26 | اجعل حجم الخط أكبر | اجعل حجم الخط أصغر

الكاتب:خه ليو | مصدر:

ملخص:

تساهم مؤسسات القطاع الخاص، التي زاد عددها وتوسع حجمها كثيرا منذ تبني الصين سياسة الإصلاح والانفتاح، بأكثر من خمسين في المائة من نمو الناتج المحلي الإجمالي وأكثر من 60% من براءات الاختراع الصينية وأكثر من 70% من فرص العمل وأكثر من 90% من فرص توظيف المسرحين من العمل، وتنتج أكثر من 80% من المنتجات الجديدة في الصين.

هذه المؤسسات، وخاصة الصغيرة والمتوسطة الحجم منها، تواجه اليوم مأزقا يهدد استمرارها ووجودها، بسبب عبء الضرائب التي تدفعها والصعوبات التي تواجهها في تدبير الأموال، وغير ذلك. وقد أكد رئيس مجلس الدولة الصيني، ون جيا باو، أثناء زيارته لمقاطعة تشجيانغ في أكتوبر سنة 2011، على أن المؤسسات المتوسطة والصغيرة الحجم تلعب دورا لا غنى عنه في خلق فرص العمل ودفع التنمية الاقتصادية، وقال إن دعمها له أهمية بالغة.

تنويع الصناعات

مع اشتداد أزمة الديون الأوروبية في سنة 2011، انخفض الطلب على منتجات مؤسسات التصدير الصينية بصورة كبيرة. حسب إحصاءات الجمارك الصينية، تراجع معدل زيادة حجم الصادرات الصينية خلال خمسة أشهر متواصلة؛ من أغسطس إلى ديسمبر سنة 2011. وتتوقع تقارير الهيئات المعنية أن يتراجع معدل زيادة الصادرات الصينية في سنة 2012، مقارنة مع سنة 2011.

في ظل تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي والسياسة المالية الصارمة وتقلب سعر صرف العملة الصينية (الرنمينبي) وارتفاع تكلفة المواد الخام والأيدي العاملة، وكثرة النزاعات التجارية وغير ذلك من العوامل السلبية، يواجه عدد كبير من المؤسسات الخاصة الصينية صعوبات.

وقد رفض لي تشونغ جيان، رئيس مجلس الإدارة بشركة دونغفانغ المحدودة للصناعة الخفيفة بمدينة ونتشو بمقاطعة تشجيانغ، طلبات شراء لمنتجات شركته قيمة كل منها ملايين الدولارات الأمريكية. سبب الرفض هو أن دورة تصفية حساب الصفقة التجارية تستغرق بين ثلاثة وستة أشهر، ومن ثم تكتنفها مخاطر كبيرة، إضافة إلى أن رأس المال لا يحقق دورته. الحقيقة المرة هي أن الربح الذي تحققه شركة دونغفانغ أقل من أرباح محل المخبوزات الذي يملكه ابن السيد لي تشوننغ جيان.

حسب دراسة أجراها باو يوي جيون، رئيس اتحاد المؤسسات الخاصة الصينية، 29% من المؤسسات الخاصة في الصين "حالتها جيدة ولديها القدرة على مواجهة الصعوبات والاستمرار، ومعظمها مؤسسات تحولت من القطاع العام خلال عمليات الإصلاح، أو ذات قوة مالية كبيرة (رأس المال المسجل لكل منها خمسون مليون يوان على الأقل)، أو مؤسسات احتكارية أو تعمل في الصناعات الاستراتيجية الناشئة. قال باو يوي جيون: "تواجه معظم المؤسسات الخاصة صعوبات وتحديات، وقليل منها يتقدم بدون عوائق. حاليا، معظم المؤسسات الخاصة في أوضاع سيئة، والقليل منها في حال جيدة وتمر بفترة انقسام كبير." هذه الرؤية يتفق معها تساي هونغ بينغ، رئيس فرع آسيا لبنك دويتشه، الذي ساعد في إدراج شركة سوهو تشينا وشركة جاينت وغيرهما في البورصة.

يعتقد تساي هونغ بينغ أن المد العالي لتطور الاقتصاد الصناعي الصيني قد انتهى، وأن الاقتصاد الصناعي الصيني يتحول من حالة النقص إلى حالة الوفرة. لقد استفادت مؤسسات خاصة عديدة من الفرص الوافرة وحققت أرباحا كبيرة. حاليا، ومع تضاؤل استفادة هذه الشركات من انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، تحتاج الصناعات الصينية إلى ترقيتها، على أن تظل المؤسسات الخاصة موجودة في هذه الفترة الحاسمة.

لكن ترقية الصناعات الصينية مهمة ليست سهلة. معظم المؤسسات المتوسطة والصغيرة الحجم تعمل في الطرف الأدنى للسلسلة الصناعية بسبب الافتقار إلى رأس المال والتكنولوجيا والتجارب الإدارية والأكفاء، ومن ثم فإن ارتفاع أسعار المواد الخام والعمالة وتقلب سعر الصرف، وارتفاع تكاليف الإنتاج والإدارة يقضم من أرباح كانت ضئيلة بالفعل.

تشير دراسات قام بها اتحاد الصناعة والتجارة لعموم الصين إلى أن بعض المؤسسات الخاصة تركت نشاطها الرئيسي الذي يحقق لها أرباحا قليلة، واتجهت عشوائيا إلى الاستثمار في صناعات التكنولوجيا العالية والجديدة، والمضاربات. هو فو لين، رئيس مجلس إدارة مجموعة شينتاي بمقاطعة تشجيانغ، المتهرب من سداد ديون تقدر بأكثر من ملياري يوان، وظف أموالا كثيرة في مشروع للطاقة الضوئية توظيفا أعمى، مما أضر بالوضع المالي لمجموعته. كانت مجموعة شينتاي من أكبر المؤسسات الصينية في مجال النظارات.

مازالت المؤسسات الصينية الخاصة تتعرض للتمييز في بعض القطاعات التي تحتكرها المؤسسات المملوكة للدولة. في الثالث عشر من مايو 2010، أصدر مجلس الدولة الصيني ((الآراء حول تشجيع وإرشاد التنمية السليمة للاستثمارات الأهلية))، ولكن الإدارات الوظيفية المعنية لم تصدر التفاصيل التنفيذية لهذه الآراء. مازالت المؤسسات المملوكة للدولة تحتكر قطاعات الاتصالات السلكية واللاسلكية، والمال والطاقة الكهربائية وغيرها، وقد قل فضاء وجود المؤسسات الخاصة في ظل تنفيذ التنسيق والسيطرة الكلية سنة 2008 لمواجهة الأزمة المالية.

لقد أذكت سياسة الإصلاح، قبل ثلاثين سنة، حماسة الاقتصاد غير الحكومي. الآن، دخل الإصلاح الاقتصادي مرحلة حاسمة لتعديل نمط التنمية، ويحظى الاقتصاد غير الحكومي باهتمام كبير. قال باو يوي جيون، رئيس اتحاد المؤسسات الخاصة الصينية: "يعتقد كثيرون أن بقاء المؤسسات الخاصة يواجه مخاطر، ولكنني أرى أن التنمية الاقتصادية الصينية ترتبط بالاقتصاد غير الحكومي، الذي سيحقق بدون شك تطورا مستمرا."

قال وانغ تاو، مسؤول بحوث الاقتصاد الصيني بمجموعة بنك سويسرا، إن التطور الطويل المدى للاقتصاد الصيني يعتمد على نشاط المؤسسات الخاصة، في ظل التراجع الاقتصادي، إذا خففت الحكومة شروط دخول المؤسسات الخاصة قطاعات المال والدواء والخدمات، وخففت الأعباء الضريبية عنها، سيشهد الاقتصاد الصيني نموا متزايدا على المدى الطويل.

تقليل الأعباء الضريبية

أكثر من 50% من المؤسسات الخاصة المدرجة في قائمة "أفضل مائة مؤسسة بمدينة ونتشو بمقاطعة تشجيانغ" تعمل في قطاع المال والعقارات.

قال ما يوي، كبير الباحثين بمعهد البحوث لوزارة التجارة الصينية، بعد أن زار مؤسسات خاصة بمقاطعة تشجيانغ: "المؤسسات الخاصة بمقاطعة تشجيانغ بدأت قبل سنتين تتخلى عن العمل في نشاطات الاقتصاد الحقيقي. قال كثير من أصحاب المؤسسات الخاصة إن العمل بالتجارة والصناعة متعب، وإن المخاطر غير السوقية تخرج عن نطاق سيطرتهم ولهذا يساورهم القلق دائما. في الحقيقة، بعض السياسات الصينية تقلل شعور أصحاب المؤسسات الخاصة بالأمان."

يعتقد ما يوي أن المؤسسات الخاصة تواجه حاليا صعوبات في المجالات التالية: أولا، الأعباء الضريبية؛ ثانيا، صعوبة تدبير التمويل؛ ثالثا، المخاطر غير المؤكدة. وفقا لتقرير إدارة السياسات الضريبية بوزارة المالية حول الأعباء الضريبية للمؤسسات المتوسطة والصغيرة، تشير أحوال مقاطعتي شاندونغ وتشجيانغ وغيرهما إلى أن الأعباء الضريبية للمؤسسات الصغيرة تفوق أعباء المؤسسات الكبيرة.

بدأ مجلس الدولة الصيني تنفيذ إجراءات وسياسات لتقديم الدعم للمؤسسات الصغيرة والقليلة الأرباح. من بين هذه الإجراءات رفع الحد الأدنى للربح المعفى من ضريبة المبيعات وضريبة القيمة المضافة وخفض ضريبة الدخل بنسبة 50% حتى نهاية سنة 2015 وإلغاء ضريبة دمغة عقود القروض المالية للمؤسسات الصغيرة من الأجهزة المالية لمدة ثلاث سنوات. وأصدرت وزارة المالية التفاصيل التنفيذية لهذه الإجراءات والسياسات. ولكن الأعباء الضريبية للمؤسسات الصغيرة والقليلة الأرباح مازالت ثقيلة.

تدبير رأس المال

يذكر ما وي هوا، مدير بنك التجاريين الصيني، جملة قيلت في اجتماع مجموعة العشرين في سنة 2010: "إذا كان هناك مفتاح لحل مشكلتي التوظيف والفقر وغيرهما وتخليص دول العالم من التداعيات السلبية للأزمة المالية، فإنه نجاح المؤسسات المتوسطة والصغيرة الحجم". لكن تدبير رأس المال للمؤسسات المتوسطة والصغيرة الحجم مهمة صعبة في كل العالم.

قال ليو وي، نائب رئيس جامعة بكين، إن السياسة النقدية الصينية في سنة 2010 بدأت تتغير من سياسة فضفاضة إلى سياسة متبصرة، ولم تستفد منها المؤسسات المتوسطة والصغيرة الحجم بل كانت أكثر المتأثرين بها. يعتقد ليو وي أن حل صعوبة تمويل المؤسسات المتوسطة والصغيرة الحجم هو إخضاع العناصر الاقتصادية الرئيسية للسوق، بعد أن تحقق إخضاع البضائع لآليات السوق خلال الإصلاح في الثلاثين سنة الماضية، وقد حان الوقت لأن تعمل الصين لجعل العناصر الاقتصادية الرئيسية، من بينها رأس المال والأراضي وبراءات الاختراع وسعر الفائدة، تعمل وفقا لآليات السوق. بذلك فقط يمكن التخلص من التنافس غير العادل والإدارة المنخفضة الفعالية وغيرهما.

قال ما وي هوا، مدير بنك التجاريين الصيني، إن المؤسسات التقليدية الكثيفة الأيدي العاملة تواجه حاليا صعوبة في تدبير التمويل، ومازالت تقترض من سوق المال غير الحكومية.

حسب إحصاءات اتحاد الصناعة والتجارة لعموم الصين، 90% من المؤسسات الصغيرة الحجم و95% من المؤسسات المشروعات المتناهية الصغر لم تقترض أي أموال من البنوك. أصدرت اللجنة الصينية لمراقبة وإدارة القطاع المصرفي ((بيان دعم البنوك التجارية لزيادة تعديل الخدمات المالية للمؤسسات الصغيرة))، ولكن معظم بنود هذا البيان لم تحدد الالتزامات التفصيلية للبنوك، ولهذا مازالت أبواب البنوك موصدة أمام المؤسسات المتوسطة والصغيرة الحجم.

الحقيقة أن البنوك التجارية ترغب أكثر في إقراض الأموال للمؤسسات الكبيرة المملوكة للدولة، وبرغم أنها رفعت سعر الفائدة على قروض المؤسسات المتوسطة والصغيرة الحجم إلى ما بين 20% و30%، مازالت تواجه مخاطر، فهي تفتقر إلى القوة المحركة لتقديم القروض للمؤسسات المتوسطة والصغيرة الحجم.

تستطيع الهيئات المالية الأهلية تحمل مهمة إقراض الأموال للمؤسسات المتوسطة والصغيرة الحجم بدلا من البنوك المملوكة للدولة. وحسب إحصاء فرع ونتشو لبنك الشعب (المركزي) الصيني، بلغ حجم القروض في سوق الإقراض الأهلية مائة وعشرة مليارات يوان (الدولار الأمريكي يساوي 3ر6 يوانات). وقد ساهم في ذلك 89% من أسر وأبناء ونتشو و67ر59% من مؤسساتها.

أزمة القروض التي شهدتها مقاطعة تشجيانغ وغيرها من المقاطعات الصينية في سنة 2011 دفعت الحكومة إلى توحيد القروض الأهلية. فأجاز مجلس الدولة ((البرنامج الشامل للمنطقة التجربية للإصلاح المالي بمدينة ونتشو بمقاطعة تشجيانغ))، وقد حدد مجلس الدولة 12 مهمة، منها توحيد معايير تدبير التمويل الأهلي، دفع تطور الهيئات المالية الحديثة، ابتكار وتنمية المنتجات والخدمات المالية للمؤسسات الصغيرة، وقضايا الزراعة والمناطق الريفية والفلاحين، تنشئة وتنمية سوق محلية لرأس المال.

إضافة إلى ذلك، طلب هذا الإصلاح المالي في ونتشو: "تشجيع ودعم مشاركة رأس المال الأهلي طبقا للقانون في إصلاح الهيئات المالية المحلية، تأسيس أو شراء أسهم البنوك على مستوى القرية والبلدة وتأسيس شركات القروض والدوائر الريفية لتبادل رأس المال، وغيرها من الهيئات المالية ذات الأنماط الجديدة. يمكن لشركات القروض الصغيرة الحجم أن تصبح بنوكا على مستوى القرية والبلدة، على أن تتوفر فيها الشروط المطلوبة". الحقيقة أن الحكومة قد فتحت الباب أمام المنظمات المالية الأهلية لدخولها في المجال المالي كهيئات شرعية يتم على أساسها اعتراف الحكومة بها.

رغم أن الإصلاح المالي مازال يحتاج إلى دراسة التفاصيل والإجراءات الدقيقة التي نفذتها هيئات المراقبة المعنية، إلا أنه يعتبر خطوة إيجابية لحل الصعوبات التي تواجهها المؤسسات الخاصة في تدبير التمويل.

* مراسل مجلة ((تقارير الصين)) (CHINA REPORTS)

المقالات المعنية